الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

389

تفسير روح البيان

الحطب وأبدان الناس ما يدل عليه التعريف الاستغراقي ولو لم يحمل على هذا المعنى لم يظهر فائدة التوصيف إذ من المعلوم ان النار لا تخلو من حطب إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ظرف لقتل والضمير لأصحاب الأخدود وقعود جمع قاعد اى لعنوا حين احرقوا بالنار قاعدين حولها في مكان مشرف عليها من حافات الأخدود ولفظ على مشعر بذلك تقول مررت عليه تريد مستطيا بمكان يقرب منه وفي بعض التفاسير على سرر وكراسي قعود عند النار ولو قعدوا على نفس النار لاحترقوا فالقاتلون كانوا جالسين في مكان مشرف أو نحوه ويعرضون المؤمنين على النار قمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصر ألقوه في النار وأحرقوه وكان عليه السلام إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ باللّه من جهد البلاء وهو الحالة التي يختار عليها الموت أو كثرة العيال والفقر كما في القاموس والجهد بالفتح المشقة وجهد عيشه كفرح نكد واشتد وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ جمع شاهد أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأن أحدا لم يقصر فيما امر به وفوض اليه من التعذيب بالإحراق من غير ترحم واشفاق أو أنهم شهود يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة يعنى تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون هذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم وتنطق به الروايات المشهورة وقد ذهب بعضهم إلى أن الجبابرة لما ألقوا المؤمنين في النار وهم قعود حولها علقت بهم النار وفي رواية ارتفعت فوقهم أربعين ذراعا فوقعت عليهم فأخرقتهم ونجى اللّه المؤمنين سالمين ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله وقبض اللّه أرواحهم قبلي ان تمسهم النار كما فعل ذلك بآسية امرأة فرعون على ما سبق وعلى ذلك حملوا قوله تعالى ولهم عذاب الحريق اى لهم عذاب جهنم في الآخرة ولهم عذاب الحريق في الدنيا وفيه إشارة إلى النفوس المتمردة الشاردة النافرة عن جناب الحق المستحقة لأخاديد النيران والخذلان والخسران الموقدة بأحطاب أخلاقهم الرديئة المؤصدة بأحجار أوصافهم الخبيثة النفسية الهوائية إذ هم عليها قعود بارتكاب الشهوات وانكبابهم على اللذات والنفس والهوى وقواهم الطبيعية يشهد بعضهم على بعض بما يفعلون بمؤمنى الروح والسر والقلب من المخالفة والمجادلة والمخاصمة وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ اى وما أنكروا من المؤمنين وما عابوا يقال نقم الأمر إذا عابه وكرهه وفي المفردات نقمت الشيء إذا أنكرته اما باللسان واما بالعقوبة إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قال بلفظ المضارع مع أن الايمان وجد منهم في الماضي لإرادة الاستمرار والدوام عليه فإنهم ما عذبوهم لايمانهم في الماضي بل لدوامهم عليه في الآتي ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوا على ما مضى فكأنه قيل الا ان يستمروا على ايمانهم واما قوله تعالى حكاية وما تنقم منا الا ان آمنا بآيات ربنا فلان مجرد ايمان السحرة بموسى عليه السلام كان منكرا واجب الانتقام عندهم والاستثناء مفرغ مفصح عن براءتهم مما يعاب وينكر بالكلية على منهاج قوله ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم * ثلام بنسيان الأحبة والوطن في ان ما أنكروه ليس منكرا في الواقع وغير حقيق بالإنكار كما أن ما جعله الشاعر عيبا